Posted by: nwawis | 8,يناير 2009

أحرم الحجاج

 

 

أحرم الحجاج عن لذاتهم بعض الشهور

 وأنا المحرم عن لذاته كل الدهور

كيف لا أحرم دأباً ناحراً هدي السرور

وأنا في مشعر الحزن على رزء الحسين

 

حق للشارب من زمزم حب المصطفى

أن يرى حق بنيه حرماً معتكفا

ويواسيهم وإلا حاد عن باب الصفا

وهو من أكبر حوبٍ عند رب الحرمين

 

فمن الواجب عيناً لبس سربال الأسى

واتخاذ النوح ورداً كل صبح ومسا

واشتعال القلب أحزاناً تذيب الأنفسا

وقليل تتلف الأرواح في رزء الحسين

 

لست أنساه طريداً عن جوار المصطفى

لائذاً بالقبة النوراء يشكو أسفا

قائلاً ياجدُّ رسم الصبر من قلبي عفى

ببلاء أنقض الظهر وأوهى المنكبين

 

        صبت الدنيا علينا حاصباً من شرها     

لم نذق فيها هنيئاً بلغةً من بُرها

ها أنا مطرود رجس هائم في بَرها

تاركاً بالرغم مني دار سكنى الوالدين

 

ضمني عندك يا جداه في هذا الضريح

علني ياجد من بلوى زماني أستريح

ضاق بي ياجد من فرط الأسى كل فسيح

فعسى طود الأسى يندك بين الدكتين

 

جد صفو العيش من بعدك بالأكدار شيب

وأشاب الهم رأسي قبل ابان المشيب

فعلا من داخل القبر بكاء ونحيب

ونداء بافتجاع يا حبيبي ياحسين

 

أنت ياريحانة القلب حقيق بالبلاء

إنما الدنيا أعدت لبلاء النبلاء

لكن الماضي قليل في الذي قد أقبلا

فاتخذ ذرعين من صبر وحسم سابغين

 

ستذوق الموت ظلماً ظامياً في كربلا

وستبقى في ثراها عافراً منجدلا

وكأني بلئيم الأصل شمراً قد علا

صدرك الطاهر بالسيف يحز الودجين

 

وكأني بالأيامى من بناتي تستغيث

سغباً تستعطف القوم وقد عزّ المغيث

قد برى أجسامهن الضرب والسير الحثيث

بينها السجاد في الأصفاد مغلول اليدين

 

فبكى قرة عين المصطفى والمرتضى

رحمةً للآل لا سخطاً لمحتوم القضا
بل هو القطب الذي لم يخطو عن سمت الرضا

مقتدى الأمة والي شرقها والمغربين

 

حين نبأ آله الغر بما قال النبي

أظلم الأفق عليهم بقتام الكرب

فكأن لم يستبينوا مشرقاً من مغرب

غشيتهم ظلمات الحزن من أجل الحسين

 

وسرى بالأهل والصحب بملحوب الطريق

يقطع البيدا مجداً قاصد البيت العتيق

فأتته كتب الكوفة بالعهد الوثيق

نحن أنصارك فأقدم سترى قرة عين

 

بينما السبط باهليه مجداً في المسير

فإذا الهاتف ينعاهم ويدعو ويشير

إن قدام مطاياهم مناياهم تسير

ساعة إذ وقف المهر الذي تحت الحسين

 

فعلا صهوة ثان فأبى أن يرحلا

فدعى في صحبه يا قوم ما هذي الفلا

قيل هذي كربلاءٌ قال كربٌ وبلا

خيموا إن بهذي الأرض ملقى العسكرين

 

ها هنا تُنتزع الأرواح من أجسادها

بظبى تعتاض بالأجساد عن أغمادها

وبهذي تُحمل الأمجاد في أصفادها

في وثاق الطلقاء الأدعياء الوالدين

 

وبهذي تيأم الزوجات من أزواجها

وبهذي تشرب الأبطال من أوداجها

وتهاوى أنجم الأبرار عن أبراجها

غائبات في ثرى البوغاء محجوبات بين

 

وأطلتهم جنود كالجراد المنتشر

مع شمر وابن سعد كل كذاب أشر

فاصطلى الجمعان نار الحرب في يوم عسر

واستدارت في رحى الهيجاء اأصار الحسين

 

يحسبون البيض إذ تلبس فيض القلل

 يتمايلن بحمر الحلل بيض أنس

فيذوقون المنايا كمذاق العسل

شاهدوا الجنة كشفاً ورأوها رأي عين

 

بأبي أنجم سعد في هبوط وصعود

طلعت في فلك المجد وغابت في اللحود

سعدت بالذبح والذابح من بعض السعود

كيف لا تسعد في حال اقتران بالحسين

 

بأبي أقمار تُمٍ خسفت بين الصفاح

وشموساً من رؤوس في بروج من رماح

ونفوساً منعت أن ترد الماء المباح

جرعت كأسي اُوام وحمام قاتلين

 

عندها ظل حسين مفرداً بين الجموع

ينظر الآل فيذري من أماقيه الدموع

فانتظى للذب عنهم مرهف الحد لموع

غرمه يغريه للضرب نمار الصفحتين

 

فاتحاً من مجلس التوديع للأحباب باب

فاحتسو من ذلك التوديع للأوصاب صاب

موصي الأخت التي كانت لها الآداب دأب

زينب الطهر بأمر وبنهي نافذين

 

أخت يازينب أوصيك وصايا فاسمعي

إنني في هذه الأرض ملاقٍ مصرعي

فاصبري فالصبر من خيم كرام المترع

كل حي سينحيه عن الأحياء حين

 

في جليل الخطب يا أخت اصبري الصبر الجميل

إن خير الصبر ما كان على الخطب الجليل

واتركي اللطم على الخد وإعلان العويل

ثم لا اكره أن يسقي دمع العين ورد الوجنتين

 

اجمعي شمل اليتامى بعد فقدي وانظمي

اطعمي من جاع منهم ثم أروي من ظمي

واذكري اني في حفظهم طٌل دمي

ليتني بينهم كالأنف بين الحاجبين

 

أخت آتيني بطفلي أره قبل الفراق

فأتت بالطفل لا يهدأ والدمع مراق

يتلوى ظمأ والقلب منه في احتراق

غائر العينين طاو البطن ذاو الشفتين

 

فبكى لما رآه يتلظى بالأوام

بدموع هاميات تخجل السحب السجام

ونحا القوم وفي كفيه ذياك الغلام

وهما من ظمإ قلباهما كالجمرتين

 

فدعا في القوم يا لله للخطب الفظيع

نبئوني أأنا المذنب أم هذا الرضيع

لاحظوه فعليه شبه الهادي الشفيع

لا يكن شافعكم خصماً لكم في النشأتين

 

عجلوا نحوي بماء أسقه هذا الغلام

فحشاه من أوام في اضطرام وكُلام

فاكتفى القوم عن القول بتكليم السهام

وإذا بالطفل قد خر صريعاً لليدين

 

فالتقى مما هما من منحر الطفل دما

ورماه صاعداً يشكوا إلى رب السما

وينادي يا حكيم أنت خير الحكما

فجع القوم بهذا الطفل قلب الوالدين

 

وأغار السبط للجلي بمأمون العثار

إذ أثار الضمر العثير بالركض فثار

يحسب الحرب عروساً ولها الروس نثار
ذكر القوم ببدر وبأحد وحنين

 

بطل فرد من الجمع على الأبطال طال

أسد يفترس الأسد على الآجال جال

ماله غير إله العرش في الأهوال وال

ما سطى في فرقة إلا تولت فرقتين

 

ماله في حومة الهيجاء في الكر شبيه

غير مولانا علي والفتى سر أبيه

غير أن القوم بالكثرة كانوا متعبيه

وهو ظام شفتاه أضحتا ناشفتين

 

علة الإيجاد بالنفس على الأمجاد جاد

ما ونى قط ولا عن عصبة الإلحاد حاد

كم له فيهم سنان خارق الأكباد باد

وحسام يخسف العين ويبري الاخذ عين

 

دأبه الذب إلى أن شب في القلب الأوام

وحكى جثمانه القنفذ من رشق السهام

وتوالى الضرب والطعن على الليث الهمام

وعراه من نزيف الدم ضعف الساعدين

 

فتدنى الغادر الباغي سنان بالسنان

طاعنا صدر إمامي فهوى واهي الجنان

أشرقت تبكي عليه أسفاً حور الجنان

وبكى الكرسي والعرش عليه آسفين

 

ما دروا إذ خرّ عن ظهر الجواد الرامح

أحسين خر ّأم برج  السماك  السابح

أم هو البدر وقد حل بسعد الذابح

أم هو الشمس وأين الشمس من نور الحسين

 

أي عينين بقان الدمع لا تنهرقان

وحبيب المصطفى بالترب مخضوباً بقان

دمه والطين في منحره مختلطان

وله قدر تعالى فوق هام الشرطين

 

لهف نفسي إذ نحا أهل الفساطيط الحصان

ذاهلاً منفجعاً يصهل مذعور الجنان

مائل السرج عثور الخطو في فضل العنان

خاضب المفرق والخدين من نحر الحسين

 

أيها المهر توقف لا تحم حول الخيام

 واترك الإعوال كي لا يسمع الآل الكرام

كيف تستقبلهم تعثر في فضل اللجام

 وهم ينتظرون الآن إقبال الحسين

 

مرق المهر وجيعاً عالياً منه العويل

 يخبر النسوان أن السبط في الوغى جديل

ودم المنحر جار خاضب الجسم يسيل

 نابعاً من ثغرة النحر كما تنبع عين

 

خرجت مذ سمعت زينب إعوال الجواد

تحسب السبط أتاها بالذي يهوى الفؤاد

ما درت أن أخاها عافراً في بطن واد

 ودم الأوداج منه خاضباً للمنكبين

 

مذ وعت ما لاح من حال الجواد الصاهل

صرخت مازقة الجيب بلب ذاهل

وبدت من داخل الخيمات آل الفاضل

 محرقات بسواد الحزن من فقد الحسين

 

وغدت كلٌ من الدهشة تهوي وتقوم

أنجم تهوي ولكن ما تهاوت لرجوم

وحقيق بعد كسف الشمس أن تبدوا النجوم

يتسابقن إلى موضع ما خرّ الحسين

 

وإذا بالشمر جاث فوق صدر الطاهر

يهبر الأوداج منه بالحسام الباتر

فتساقطن عليه بفؤاد طائر

بافتجاع قائلات خل يا شمر حسين

 

رأس من تقطع يا شمر بهذا الصارم

ليس من تفري وريديه بكبش جاثم

إن ذا سبط النبي القرشي الهاشمي

أواه خير الله فذا ابن الخيرتين

 

ارفع الصارم عن نحر الإمام الواهب

عصمة الراهب في الدهر وملفى الهارب

كيف تفري نحر سبط المصطفى بالقاضب

وهو دأباً يكثر التقبيل في نحر الحسين

 

كان يؤذيه بكاه وهو في المهد رضيع

بابنه قدماً فداه وهو ذو الشأن الرفيع

ليته الآن يراه وهو في الترب صريع

يتلظى بظماه حافصاً بالقدمين

 

كم به من مَلك في الملأ الأعلى عتيق

وبيمناه يسار لدم العسر يريق

وعلى الناس له عهداً من الله وثيق

انه الحجة في الأرض ومولى الملوين

 

ما أفاد الوعظ والتحذير في الرجز الرجيم

وانحنى يفري وريدي ذلك النحر الكريم

وبرى الرأس وعلاه على رمح قويم

زاهراً يشرق نوراً كاسفاً للقمرين

 

شمس أفق الدين أضحت في كسوف بالسيوف

وتوارت عن عيون الناس في أرض الطفوف

فأصاب الشمس والبدر كسوف وخسوف

لكن الأفق مضيء بسنا رأس الحسين

 

ذبح الشمر حسينا ليتني كنت وقاه

وغدا الأملاك تبكيه خصوصاً عتقاه

ما درى الملعون شمرٌ أي صدر قد رقاه

صدر من داس فخاراً فوق فرق الفرقدين

فتك العصفور بالصقر فيا للعجب

ذبح الشمر حسيناً غيرة الله اغضبي

حيدرٌ آجرك الله بعالي الرتب

أدرك الأعداء فيه ثأر بدر وحنين

 

أعين لم تجر في أيام عاشورا بما

كُحلت وحياً أماقيها بأميال العما

لأصبن إذا ما أعوز الدمع دما

 لأجودن بدمع العين جود الأجودين

 

عجباً ممن رسا في قلبه حب الإمام

كيف عاشوا يوم عاشورا وما ذاقوا الحِمام

بل أرى نوحهم يقصر عن نوح الحَمام  

أسواءٌ فقد فرخين وفقدان الحسين

 

كيف لا يبكي بشجو لابن بنت المصطفى

إنه كان سراجاً للبرايا وانطفا

حق لو في فيض دمع العين إنساني طفا

 واغتدى الجاري من العين عقيق لا لجين

 

أ يزيدٌ فوق فرش من حرير في سرير

ثمل نشوان من خمر له الساقي يدير

وحسين في صخور وسعير من هجير

ساغباً ضمآن يسقى من نجيع الودجين

 

حطم الحزن فؤادي لحطيم بالصفا

ولهيف القلب صاد وذبيح من قفا

ولعار في وهاد فوقه السافي سفا

صدره والظهر منه أصبحا منخسفين

 

ولرأس ناضر الوجه برأس الذابل

ولقاني فيض نحر غاسل للعاسل

ولعان هالك الناصر واهي الكاهل

وبنات المصطفى لهفي على عجف سرين

 

بينما زينب قرحى الجفن ولهاء ثكول

تذرف الدمع وفي أحشائها الحزن يجول

تندب الندب بقلب واجف وهي تقول

قد أصابتني بنور العين حسادي بعين

 

واذبيحا من قفاه بالحسام الباتر

واصريعا بعراه ما له من ساتر

واكسيرا صلواه بصليب الحافر

وارضيضا قدماه والقرى والمنكبين

 

واخطيباه جمالي وجمال المنبر

واقتيلاه ولكن ذنبه لم يُخبر

واطريحاه ثلاثا بالعرا لم يُقبر

واشهيداه ومن للمصطفى قرة عين

 

يا أخي قد كنت تاجا للمعالي والرؤوس

مقريا للضيف والسيف نفيسا ونفوس
كيف أضحى جسمك السامي له الخيل تدوس

بعدما دست على أوج السهى بالقدمين

 

يا أخي يا تاج عزي لاحظ البيض الحداد

بقيت بعدك شعثاً في كِلال وحداد

قطنت أجفانها فالقلب كالقالب صاد

أشبه الأشياء بالقرآن بين الدفتين

 

حزب حرب أين أنتم من سجايا هاشم

إذ عفوا عنكم وقد كنتم حصيد الصارم

إن في هذا لسر بيّن للفاهم

ان آثار القبيلين عصير العنصرين

 

جدنا عاملكم في الفتح بالصفح الجميل

مالكم صيرتمونا بين عان وجديل

وعلى جيل قفوتم اثرهم لعن الجليل

وعذاب مستطيل لن يزولا خالدين

 

سادتي حزني كحبي لكم باق مقيم

هبة من عند ربي وهو ذو الفضل العظيم

قد صفا الحب بقلبي فاجعلوا ذنبي حطيم

واكشفوا في الحشر كربي واشفعوا للوالدين

 

حسن ما حسن منه سوى حفظ الوداد

وولاء في براء وصفاء الاعتقاد

وهو كاف في أماني من مخاويف المعاد

إنما الخوف لمن لم يعتقد فضل الحسين

 

والتحيات الوحيات وتسليم السلام

لسراة الخلق في الدنيا وفي دار السلام

ذائبات ابد الآباد ما تم كلام

أو محا الله ظلاما بضياء النيرين

 

القصيدة للشاعر : حسن الدمستاني


اترك رداً

ردك:

التصنيفات